ابن أبي الحديد
121
شرح نهج البلاغة
يقظان ، والعقل راقد ، والشهوات مطلقة ، والحزم معقول ، والنفس مهملة ، والروية مقيدة ، ومن جهة التواني وترك الروية يتلف الحزم ، ولن يعدم المشاور مرشدا ، والمستبد برأيه موقوف على مداحض الزلل ، ومن سمع سمع به ، ومصارع الرجال تحت بروق الطمع ، ولو اعتبرت مواقع المحن ما وجدت إلا في مقاتل الكرام ، وعلى الاعتبار طريق الرشاد ، ومن سلك الجدد ( 1 ) أمن العثار ، ولن يعدم الحسود أن يتعب قلبه ، ويشغل فكره ، ويورث غيظه ، ولا تجاوز مضرته نفسه . يا بنى تميم ، الصبر على جرع الحلم أعذب من جنا ثمر الندامة ، ومن جعل عرضه دون ماله استهدف للذم ، وكلم اللسان أنكى من كلم السنان ، والكلمة مرهونة ما لم تنجم من الفم ، فإذا نجمت مزجت ، فهي أسد محرب ، أو نار تلهب ، ورأي الناصح اللبيب دليل لا يجوز ، ونفاذ الرأي في الحرب ، أجدى من الطعن والضرب . * * * وأوصى يزيد بن المهلب ابنه مخلدا حين استخلفه على جرجان فقال له يا بنى ، قد استخلفتك على هذه البلاد فانظر هذا الحي من اليمن فكن لهم كما قال الشاعر : إذا كنت مرتاد الرجال لنفعهم * فرش واصطنع عند الذين بهم ترمى . وانظر هذا الحي من ربيعه فإنهم شيعتك وأنصارك ، فاقض حقوقهم ، وانظر هذا الحي من تميم فأمطرهم ( 2 ) ولا تزه لهم ، ولا تدنهم فيطمعوا ، ولا تقصهم فيقطعوا ، وانظر هذا الحي من قيس فإنهم أكفاء قومك في الجاهلية ، ومناصفوهم المآثر في الاسلام ، ورضاهم منك البشر . يا بنى ، إن لأبيك صنائع فلا تفسدها ، فإنه كفى بالمرء نقصا أن يهدم ما بنى أبوه ، وإياك والدماء فإنه لا تقية معها ، وإياك وشتم الاعراض فإن الحر .
--> ( 1 ) الجدد : الأرض المستوية . ( 2 ) د " فانظرهم "